عادل عبد الرحمن البدري
82
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ « 1 » . وقد أشار الغزالي إلى هذا القانون الصارم الذي ينظّم حياة هذا المخلوق النافع بالقول : انظر إلى النحلة كيف أوحى الله تعالى إليها حتّى اتّخذت من الجبال بيوتاً ، وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل ، وجعل أحدهما ضياءً والآخر شفاء ! ثمّ لو تأمّلت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار ، واحترازها من النجاسات والأقذار ، وطاعتها لواحد من جملتها ، هو أكبرها شخصاً ، وهو أميرها ، ثمّ ما سخّر الله سبحانه له أميرها من العدل والإنصاف بينها ، حتّى أنّه ليقتل منها على نجاسة ، لقضيت من ذلك العجب إن كنت بصيراً على نفسك ! « 2 » . وقد تداولت جمهورية أفلاطون العدالة كمشكلة وطموح ينبغي تحقيقه . وكان يرى للحصول على إنسان عادل أن تبنى مدينة عادلة يكون المواطنون عادلين بقدر مشاركتهم العادلة في مدينة عادلة « 3 » وهذه أمنية وخيال سياسي ليس لها وجود خارجي كي تتجسّد به مثل هذه الجمهورية ، في حين كانت العدالة متجسّدة في دولة النبيّ ( ص ) ووصيّه علي ( ع ) في أدّق التفصيلات والممارسات اليومية إلّا أنّ الابتعاد عنها وعدم التمسّك بها والذي حصل في الدول اللاحقة كان واضحاً ومؤشراً في سيرة الحكام والملوك بحيث إنّ المنصور الدوانيقي جوبه بهذه الحقيقة وخضع لها كحقيقة سياسية ثبتت في سجلاتهم . والرواية أشبه بقصّة فنية حبكت لردع حاكم دولة حكم باسم الدين لكي يرجع إلى بيت العدالة السماوية ، فتقول الرواية : لمّا حج المنصور في سنة أربع وأربعين ومائة من الهجرة النبوية نزل بدار الندوة وكان يطوف ليلًا ولا يشعر به أحد ، فإذا طلع الفجر صلّى
--> ( 1 ) النحل : 68 - 69 . ( 2 ) إحياء علوم الدين 274 : 4 . ط . دمشق . ( 3 ) تاريخ الأفكار السياسية 53 : 1 و 57 .